الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

46

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وغلق الأبواب : جعل كل باب سادّا للفرجة التي هو بها . وتضعيف غَلَّقَتِ لإفادة شدة الفعل وقوته ، أي أغلقت إغلاقا محكما . والأبواب : جمع باب . وتقدم في قوله تعالى : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ [ سورة المائدة : 23 ] . و هَيْتَ اسم فعل أمر بمعنى بادر . قيل أصلها من اللغة الحورانية ، وهي نبطية . وقيل : هي من اللغة العبرانية . واللام في لَكَ لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما في قولهم : سقيا لك وشكرا لك . وأصله : هيتك . ويظهر أنها طلبت منه أمرا كان غير بدع في قصورهم بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته ، ولذلك لم تتقدم إليه من قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها . وسيأتي لهذا ما يزيده بيانا عند قوله تعالى : قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً . وفي هَيْتَ لغات . قرأ نافع ، وابن ذكوان عن ابن عامر ، وأبو جعفر - بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية - . وقرأه ابن كثير - بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية - . وقرأه الباقون - بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية ، والفتحة والضمة حركتا بناء . و مَعاذَ مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله . وأصله : أعوذ عوذا باللّه ، أي أعتصم به مما تحاولين . وسيأتي بيانه عند قوله : قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ [ سورة يوسف : 79 ] في هذه السورة . و ( إنّ ) مفيدة تعليل ما أفاده مَعاذَ اللَّهِ من الامتناع والاعتصام منه باللّه المقتضي أن اللّه أمر بذلك الاعتصام . وضمير إِنَّهُ يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة ، ويكون رَبِّي بمعنى خالقي . ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها غيره ، فهو معلوم بدلالة العرف ، ويكون رَبِّي بمعنى سيدي ومالكي . وهذا من الكلام الموجّه توجيها بليغا حكي به كلام يوسف - عليه السّلام - إمّا لأن يوسف - عليه السّلام - أتى بمثل هذا التركيب في لغة القبط ، وإما لأنه أتى بتركيبين عذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه .